في تاريخ الدوري الإماراتي، مرت أسماء عالمية كثيرة، لكن يظل ابن الإمارات البار علي مبخوت هو الرقم الصعب الذي عجزت الدفاعات عن فك شفرته. بلقب “القناص”، استطاع نجم نادي الجزيرة السابق والمنتخب الإماراتي أن يكتب تاريخاً جديداً، محطماً أرقاماً صمدت لعقود. في هذا المقال عبر “دورينا بلاس“، نسلط الضوء على رحلة علي مبخوت، الرجل الذي جعل تسجيل الأهداف يبدو كأسهل مهمة في العالم.
البداية والولاء: قصة حب مع “فخر أبوظبي”
لم تكن رحلة علي مبخوت في عالم كرة القدم مجرد مسيرة لاعب مر بملاعب الدوري الإماراتي، بل كانت ملحمة وفاء نادرة في زمن الاحتراف المادي. بدأ علي خطواته الأولى في مدرسة كرة القدم بنادي الجزيرة عام 2004، وهو النادي الذي يلقب بـ “فخر أبوظبي”. منذ صغره، أظهر مبخوت نضجاً يفوق أقرانه؛ لم يكن يكتفي بالمراوغة أو إظهار المهارة، بل كان يبحث عن “أقصر طريق للشباك”.
طوال ما يقارب العقدين من الزمان، ارتبط اسم مبخوت بالجزيرة ارتباطاً عضوياً. قاد الفريق لتحقيق لقب الدوري في ثلاث مناسبات تاريخية (2011، 2017، 2021)، وكان هو القطعة الأساسية التي لا يمكن تعويضها في تشكيلة أي مدرب يمر على النادي. هذا الولاء لم يمنعه من خوض غمار العالمية؛ ففي كأس العالم للأندية 2017، وقف مبخوت نداً لند أمام دفاعات ريال مدريد، وأثبت أن المهاجم الإماراتي قادر على تهديد المرمى الملكي. وفي صيف 2024، قرر مبخوت كتابة فصل جديد بانتقاله لنادي النصر، في صفقة اعتبرت “زلزالاً” في سوق الانتقالات، ليؤكد أن طموحه في هز الشباك لا يحده عمر أو نادٍ معين.
تحطيم الأرقام: كيف أصبح مبخوت الهداف التاريخي؟
في تاريخ كرة القدم، الأرقام هي اللغة الوحيدة التي لا تقبل التأويل، وعلي مبخوت يتحدث هذه اللغة بطلاقة مطلقة. في فبراير 2022، توقفت عقارب الساعة في الملاعب الإماراتية لتشهد لحظة تاريخية: علي مبخوت يسجل هدفه رقم 176 في الدوري، محطماً رقم الأسطورة “فهد خميس” الذي صمد لأكثر من ربع قرن، ليصبح رسمياً الهداف التاريخي لدوري الإمارات عبر العصور.
هذا الإنجاز لم يكن نهاية المطاف، بل كان دافعاً لتعزيز الرقم الذي وصل إلى 218 هدفاً بنهاية موسم 2023-2024. وإذا خرجنا من الإطار المحلي إلى القاري والدولي، سنجد أرقاماً تقشعر لها الأبدان؛ فهو الهداف التاريخي للمنتخب الإماراتي بـ 85 هدفاً، وهو رقم وضعه في قائمة “العشرة الأوائل” لهدافي المنتخبات على مستوى العالم تاريخياً، متفوقاً في فترات معينة على أساطير مثل ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو من حيث المعدل التهديفي في تصفيات كأس العالم. هذه الأرقام جعلت من مبخوت “ماركة مسجلة” للنجاح، وجعلت قميصه رقم (7) رمزاً لا يمس في تاريخ “الأبيض”.
التحليل الفني: لماذا يخشاه المدافعون؟
عبر منصة “دورينا بلاس”، يهمنا دائماً الغوص في الجانب الفني. ما الذي يجعل مدافعين عالميين يرتجفون عند مواجهة مبخوت؟ السر يكمن في “البرود الذهني”. مبخوت يمتلك “ثباتاً انفعالياً” نادراً؛ فهو لا يسدد الكرة بقوة عمياء، بل يضعها بدقة جراح في الزوايا الميتة للحراس.
يمتاز مبخوت بـ التحرك العكسي؛ فهو يوهم المدافع بالذهاب نحو القائم القريب، ثم يغير اتجاهه فجأة نحو المساحة الخالية. كما أنه يُجيد “اللعب بدون كرة” بشكل يفوق أي مهاجم آخر في المنطقة؛ حيث يسحب المدافعين لفتح ثغرات لزملائه، وحين تصل إليه الكرة، تكون لمسته الأولى (First Touch) هي مفتاح الهدف. هو ليس مهاجم صندوق كلاسيكي ينتظر العرضيات فقط، بل هو “مهاجم شامل” يجيد الانطلاق من الأطراف، والمشاركة في بناء اللعب، وتنفيذ ركلات الجزاء بدم بارد جعلت نسبة نجاحه فيها تقترب من الـ 95%.
إنجازات لا تُنسى في ذاكرة “دورينا”
لا يمكن الحديث عن علي مبخوت دون ذكر ملحمة كأس آسيا 2015 في أستراليا. هناك، تحول مبخوت إلى “بعبع” القارة، حيث حقق لقب هداف البطولة بـ 5 أهداف، وقاد المنتخب الإماراتي للمركز الثالث في إنجاز لم يتكرر في الألفية الجديدة.
أهدافه في تلك البطولة لم تكن عادية؛ فقد سجل أسرع هدف في تاريخ كأس آسيا (بعد 14 ثانية فقط ضد البحرين). وفي نسخة 2019 التي استضافتها الإمارات، واصل هوايته المفضلة وسجل 4 أهداف، ليصبح من بين الهدافين التاريخيين للبطولة القارية بـ 9 أهداف إجمالاً. هذه المحطات الدولية صقلت شخصية مبخوت وجعلته “سفيراً” للكرة الإماراتية في كل المحافل، حيث كان دائماً هو الحل الأول والنهائي لكل المعضلات الهجومية التي تواجه المدربين الذين تعاقبوا على تدريب المنتخب.
الإرث والقدوة: ماذا يمثل مبخوت للأجيال القادمة؟
إن إرث علي مبخوت لا يقتصر على الكؤوس والأهداف، بل في “العقلية” التي زرعها في الملاعب الإماراتية. هو اللاعب الذي أثبت أن المهاجم الوطني قادر على التفوق على أعظم المحترفين الأجانب (الذين تكتظ بهم أندية الدوري الإماراتي) والظفر بلقب الهداف لسنوات متتالية.
يمثل مبخوت نموذجاً في “الانضباط الصامت”؛ فهو قليل الكلام في الإعلام، كثير العطاء في الملعب. لم يدخل في مهاترات، ولم تلاحقه إشاعات، بل كان تركيزه منصباً دائماً على كيفية تطوير لمسته الأخيرة. بالنسبة للاعبين الصاعدين في أكاديميات “دورينا”، يظل مبخوت هو “المنارة” التي تضيء لهم طريق النجومية؛ فمنه يتعلمون أن الموهبة وحدها لا تكفي، بل هي بحاجة لعمل دؤوب، وتمركز ذكي، وولاء للنادي، وقبل كل شيء، روح قتالية لا تهدأ حتى تهتز الشباك.
علي مبخوت.. الأرقام لا تكذب أبداً
في الختام، يظل علي مبخوت أحد “الاستثناءات” الجميلة في تاريخ كرة القدم الإماراتية. هو اللاعب الذي جعلنا نعتاد على “المعجزات الرقمية” حتى أصبحت جزءاً من روتيننا الرياضي. حين يقرر مبخوت الاعتزال يوماً ما، ستفقد المرمى “حبيبها الأول”، وستشتاق الشباك لتلك الكرات التي كان يودعها فيها بكل رقة وقوة في آن واحد. سيبقى مبخوت هو “الرقم 1” في قلوب الجماهير، وسيبقى تاريخ الدوري الإماراتي يُقسم إلى مرحلتين: ما قبل مبخوت، وما بعد مبخوت.




